الغزالي

364

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ « 1 » . ثم تلقاهم الولدان ، يطيفون بهم كما تطيف ولدان أهل الدنيا بالحبيب يقدم عليهم من غيبة ، يقولون لهم : أبشروا ، أعدّ اللّه لك من الكرامة كذا . قال : فينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجهم من الحور العين ، فيقول : قد جاء فلان - باسمه الذي كان يدعى به في الدنيا - فتقول : أنت رأيته ؟ فيقول : أنا رأيته ، وهو بإثري . فيستخفّها الفرح ، حتى تقوم إلى أسكفّة بابها ، فإذا انتهى إلى منزله نظر إلى أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه صرح أحمر وأخضر وأصفر من كلّ لون ، ثم يرفع رأسه فينظر إلى سقفه ، فإذا هو مثل البرق ، ولولا أن اللّه تعالى أقدره لألمّ بأن يذهب بصره ، ثم يطأطىء رأسه فإذا أزواجه وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ « 2 » ثم اتّكأ فقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ « 3 » ثم ينادي مناد : تحيون فلا تموتون أبدا ، وتقيمون فلا تظعنون أبدا ، وتصحّون فلا تمرضون أبدا . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « آتي يوم القيامة باب الجنة فأستفتح ، فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : محمّد . فيقول : مرحبا بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك » . ثم تأمل الآن في غرف الجنة ، واختلاف درجات العلو فيها ، فإن الآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا ، كما أن بين الناس في الطاعات الظاهرة ، والأخلاق الباطنة المحمودة ، تفاوتا ظاهرا ، فكذلك فيما يجازون به تفاوت ظاهر ، فإن كنت تطلب أعلى الدرجات ، فاجتهد ألّا يسبقك أحد بطاعة اللّه تعالى ، فقد أمر اللّه بالمسابقة والمنافسة فيها ، فقال تعالى : سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 4 » وقال تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ « 5 » والعجب : أنه لو تقدّم عليك أقرانك أو جيرانك بزيادة درهم ، أو بعلو بناء ، ثقل عليك ذلك ، أو ضاق به صدرك ، وتنغّص بسبب الحسد عيشك .

--> ( 1 ) سورة الزمر ، الآية : 73 . ( 2 ) سورة الغاشية ، الآيات : 14 - 16 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 43 . ( 4 ) سورة الحديد ، الآية : 21 . ( 5 ) سورة المطففين ، الآية : 26 .